النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    446

    بحــــــث عـــن الدستـــــور

    بحــــــث عـــن الدستـــــور
    الدستور
    تعريف القانون الدستوري

    إن دراسة العلم الدستوري تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث كان الايطاليون أول من ادخل دراسته في معاهدهم ثم انتقل إلى فرنسا سنة 1834 .

    و نجد أن هذا المصطلح مكون من كلمتين : أولا القانون و الذي هو مجموعة القواعد القانونية العامة و المجردة الآمرة و المكملة و الملزمة .
    فالقانون ليس مجرد تقنين للعلاقات الاجتماعية السائدة في الدولة و ضابط للسلوك الإنساني ، فهو في نفس الوقت وسيلة لتطوير هذه العلاقات باتجاه إيديولوجي معين ، فالقانون هو عمل سياسي يعبر عن مصالح الفئات الاجتماعية السائدة في الدولة .

    و يقسم الفقهاء القانون إلى قسمين خاص و هو ينظم العلاقات بين الأفراد كالقانون التجاري و المدني ، وهو الأقدم و القانون العام الذي ينظم العلاقات بين الدولة و الأفراد سواء كانوا مواطنين أو أجانب كالقانون الدستوري و الإداري و الدولي ، وهو الأحدث .
    نظرا لان القانون العام يفترض وجود دولة دستورية ،
    وبالتالي لا يمكن أن يتطور في دولة استبدادية .

    أما كلمة دستور في اللغة الفرنسية تعني التأسيس أو التكوين établissement أو institution ، ونجد أن كلمة دستور ليست كلمة عربية الأصل فهي كلمة فارسية تعني الدفتر أو السجل الذي تجمع فيه قوانين الملك و ضوابطه، و بذلك فإن الكلمة تستخدم للدلالة على القواعد الأساسية التي يقوم عليها تنظيم من التنظيمات ابتداء من الأسرة و الجمعية و النقابة و انتهاء بالدستور العام للدولة .

    يمكن لنا أن نقول أن القانون الدستوري هو أكثر فروع القانون العام حداثة لأنه أكثر تعبيرا عن مفاهيم الديمقراطية و الحرية و المساواة من غيره من القوانين ، ولذلك فإن عمر القانون الدستوري لا يتجاوز مائتي سنة و هو يعود إلى الثورتين الأمريكية و الفرنسية .

    و بالتالي يمكننا أن نعرف القانون الدستوري بأنه ذلك الفرع من القانون الذي يحدد القواعد القانونية المتعلقة ببنية الدولة و طريقة ممارسة السلطة السياسية . و بالتالي فهو يشمل كل ما يتصل بالدولة في أساسها و تكوينها و شكلها ، فكل ما يتعلق بوجود الدولة و مقوماتها و عناصر تكوينها و طرق ممارسة السلطة فيها يندرج تحت مفهوم القانون الدستوري .

    الفرق بين القانون الدستوري و علم السياسة
    هما علمان متكاملان و إن اختلفا في موضوعهما ، موضوع علم السياسة هو دراسة الظواهر السياسية مستقلة عن القواعد القانونية المنظمة لها ، ففي الانتخابات مثلا يهتم القانون الدستوري بدراسة مختلف جوانب التشريع الانتخابي ، بينما يهدف علم السياسة إلى معرفة العوامل المؤثرة في سلوك الناخبين .
    و يمكن لنا أن نعرف علم السياسة بأنه العلم الذي يدرس الظواهر السياسية المتعلقة بممارسة السلطة بهدف معرفتها و دون الحكم عليها من منطلق عقائدي .
    و هذا التكامل بين القانونين ناتج عن ضرورة علم السياسة من اجل دراسة النظم الدستورية و معرفة خصائصها .

    المعيار الشكلي للقانون الدستوري
    يقصد بالقانون الدستوري طبقا للمعيار الشكلي القواعد التي تتضمنها الوثيقة المعروفة باسم الدستور ، وبالتالي فأي وثيقة تخرج عن إطار الدستور تعتبر غير دستورية ، غير أن هذا المعيار منتقد في أن هناك بعض الدول كانجلترا لها دستور غير مكتوب أي عرفي ، إضافة إلى أن الدستور في بعض الأحيان يتضمن قواعد ليست ذات طبيعة دستورية . مثلا المادة 54 من الدستور الجزائري ” الرعاية الصحية حق للمواطنين….” .

    المعيار الموضوعي للقانون الدستوري
    يعتمد هذا المعيار على الموضوع أو المضمون بصرف النظر عن الشكل .و بناءا عليه يتضمن القانون الدستوري جميع القواعد التي لها طبيعة دستورية أيا كان مصدرها سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية أو نظمت بقوانين عادية .


    غاية القانون الدستوري
    إن غاية القانون الدستوري هي تحقيق تعايش سلمي بين السلطة و الحرية ، فالسلطة هي ظاهرة اجتماعية ضرورية لحفظ النظام الاجتماعي ، و الحرية هي حاجة دائمة و متجددة عند الإنسان بهدف الانعتاق من قيود الحكم . و نجد أن الحاجة إلى السلطة و الحرية هي من ثوابت كل تنظيم اجتماعي في أي زمان أو مكان .
    و مسألة التوفيق بين السلطة و الحرية هي نسبية ناتجة عن عدة عوامل كالتاريخية مثلا أي تطور العادات و الأفكار و العلوم و العامل الخلقي الفلسفي أي مجموعة القيم و المفاهيم السياسية .
    و كل نظام سياسي يدعي انه يعطي الحل الأمثل في التوفيق بين السلطة و الحرية حتى النظم الاستبدادية لا تستطيع نظريا تجاهل هذا الموضوع نظرا لما للحرية من قدسية في نفوس المواطنين .
    و نجد أن وسائل الحكم التي أوجدها القانون الدستوري ليست سوى محاولات لتحقيق المصالحة بين السلطة و الحرية ، تختلف باختلاف الإيديولوجيات القائمة.

    مصادر القانون ألدستوري
    أولا- ألعرف

    يقصد به تكرار ألعمل في موضوع دستوري معين بحيث يكتسب هذا ألتكرار صفة الإلزام. ولا يتحقق ذلك ألا من خلال شرطين:

    1_ ركن مادي:
    ويقصد به ألتصرفات والتطبيقات ألعملية ألصادرة من أحدى ألهيئات ألحاكمة. وقد يكون هذا ألتصرف تشريعيا أو عملا أداريا أو مجرد تصرف مادي يصدر من هيئة حكومية ترقى إلى مرتبة ألالتزام ألدستوري. ولا تنشأ ألقاعدة ألعرفية ألا بالتكرار.

    2- الركن ألمعنوي
    أن يتنامى شعور بوجوب ألالتزام بالقاعدة ألدستورية ألعرفية وعدم جواز ألخروج عليها بحيث يكون للقاعدة ألعرفية جزاء سواء لدى ألرأي ألعام أو ألهيئات ألحاكمة على حد سواء.

    ثانيا_ الدين
    اختلفت الأديان في مدى علاقتها في بناء ألنظام ألقانوني للدولة كأحد مصادر ألتشريع ومنها ألدستور. فقد يقتصر دور ألدين في ألمسائل ألعقائدية والأخلاقية دون ألتطرق إلى ألمعاملات .
    أو أن يكون دوره شاملا في ألعقيدة وشؤون ألحياة من معاملات.
    ويعد الإسلام دين عبادات ومعاملات, وتباينت ألدول ذات ألهوية الإسلامية في اعتماد ألشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع, البعض أعتمدها كدستور للدولة (دولة أسلامية) وهناك دول اعتبرتها المصدر الرئيسي للتشريع وأخرى أحد مصادر التشريع.


    ثالثا_ التشريع
    يقصد به ما يصدر من وثيقة دستورية عن ألمشرع ألدستوري أو ألجمعية ألتأسيسية. وفي هذا ألمجال يستعين ألمشرع ألدستوري بالمصادر ألأخرى كالعرف والدين في تأسيس قواعد دستورية .


    حقوق الإنسان في الدستور العراقي
    اولا:
    موقع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته العامة

    بعد صدور العديد من المواثيق الدولية لحماية حقوق الإنسان أزيلت بصورة تدريجية الفوارق في منظور الدولة بين القانون الدولي والأفراد ، إذ خضعت الدول بصورة جدية للقانون الدولي وبما يعدل القواعد السائدة في المجتمع الدولي إذ أصبحت الدول تلتزم تجاه الأفراد والمجتمع الدولي بمراعاة قاعدة الحد الأول من الحقوق والحريات للأفراد .

    إذ أن هدف الدول الأطراف في المعاهدة الدولية لحقوق الإنسان هي أن تؤمن للأفراد الحقوق التي يمكن أن يطالبوا باحترامها أمام المحاكم الوطنية لدولهم . وهذا يجعل من هذه القواعد متميزة عن بقية القواعد الدولية الأخرى من حيث طابعها الخاص ومن حيث قابليتها للتطبيق المباشر في النظام القانوني الداخلي للدولة من جانب المحاكم الوطنية .

    إن الموقع المتنامي الذي احتلته المعاهدات الدولية لكونها مصدرا للقانون أدى إلى ضرورة تحسين ظروف إدراجها في النظام القانوني الوطني بهدف تقوية دولة القانون أي إخضاع الدولة للقانون وضمان تطبيقه على الأفراد مهما كان مصدره الوطني أو الدولي .
    إن الالتزام بنشر المواثيق الدولية أدرج في القانون الدولي نفسه إذ كانت المادة ( 18 ) من عهد عصبة الأمم هي أول من طالبت بهذه الصيغة ذلك أن نشر المواثيق الدولية يبرر داخليا تجاه الأفراد الذين لا يمكنهم الارتباط إلا بالنصوص التي يمكن معرفتها بنشرها رسميا فمنذ لحظة نشر المعاهدات الدولية تدمج في المصادر الأخرى للقانون الوطني ونفس الالتزامات تفرض على السلطات العامة حتى تكون ذات حجية تجاه الأشخاص .

    إن مفهوم التطبيق المباشر لأحكام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان واجه بعض التردد من خلال الصفة الخاصة التي يمكن استخدامها أمام القاضي الوطني ليس فقط حسب نصوص القانون الوطني وأيضا اتجاه الأعمال الفردية ذاتها. فحتى يمكن تطبيق القاعدة الدولية بشكل مباشر فإنها يجب أن تدرج في النظام القانوني الوطني للدولة باعتبارها تنشئ حقوقا لصالح الأفراد بمضمونها أي أن تصادق عليها الدولة .

    والاتفاقية ذات التنفيذ الذاتي هي التي تعد بموجب الدستور مدرجة في النظام القانوني الخاص بالدولة عند التصديق عليها ونشرها من قبل الدولة في الجريدة الرسمية ودخولها حيز التنفيذ على الصعيد الدولي .
    إن عملية نشر المواثيق الدولية المصادق عليها كي تكون أجهزة نظام الدولة القانوني مرتبطة بها ، هي ظاهرة نجدها لدى معظم الدول وان مضمون وآثار هذا النشر يمكن أن يختلف بين البلدان ، إلا أن غياب نشر قانون المصادقة على المعاهدة أو أمر التنفيذ لها يؤدي إلى عدم تنفيذ الاتفاقية من قبل المحاكم الوطنية ومن ثم يصبح من المستحيل في دولة القانون أن تطبق قواعد على الأفراد إن لم يعلموا بها .

    إن آثار المواثيق الدولية على القانون الوطني تتبع شروط صحة هذه المواثيق الوطنية . وغالبا يدعى المشرع ليمنح رخصته للانضمام إلى المعاهدة وهذه الموافقة يمكن أن تنطوي على مؤشرين مختلفين:- فهي إما شروط لصحة المعاهدة، أو أنها شكلية لتسمح بتطبيقها في الميدان الوطني.

    وفي الحالة الأولى – أي شرط لصحة المعاهدة – فان غياب الإجازة التشريعية يجعل من إبرام المعاهدة أمرا غير نظامي في القانون الوطني.

    وفي الحالة الثانية – أي شكلية – لا يمكن تطبيق المعاهدة في القانون الوطني بحيث لا تتمتع بقوة إلزامية في القانون الدولي.
    وهنا أيضا يجب التمييز تبعا لكون المعاهدة قد تم الانضمام إليها بموافقة السلطة التشريعية وإنها لم تطبق بسبب عدم وجود أي تشريع اعتمد لوضعها موضع التنفيذ .

    ثانيا:
    إدراج المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان في الدستور
    هناك ثلاث اتجاهات مختلفة فيما يتعلق بإدراج المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ضمن الدستور :-

    1-
    دساتير مفتوحة للإدماج / اعتمدت عدد من الدول توجها مفتوحا تجاه التعريف الدولي بحقوق الإنسان إذ أن المحاكم الدستورية لهذه الدول أدمجت القانون الدولي لحقوق الإنسان في ممارسة الرقابة على الدستورية وهذه الحالة ناجمة عن نص دستوري وارد سواء في التزام المحاكم بتفسير وتطبيق الأحكام الدستورية المتعلقة بالحقوق الأساسية وفق المعاهدات الدولية لحماية حقوق الإنسان التي تربط الدولة ، أم اختصاص المحكمة الدستورية لمراقبة تطابق القوانين الوطنية مع المعاهدات الدولية .
    2-
    الحفاظ على رجحان الرجوع إلى النص الدستوري / في دول أخرى لا يزال النص الدستوري الحامي للحقوق والحريات يحتل موقعا مرجحا نسبة للاتفاقيات الدولية. كما أن بعض الدساتير لم تمنح المحكمة الدستورية اختصاص للتدقيق في مطابقة القوانين الوطنية للمعاهدات الدولية مما يؤدي إلى أن الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان لا تشكل جزءا من البنية الدستورية .

    3-
    غياب إدماج المعاهدات الدولية لحماية حقوق الإنسان في البنية الدستورية / فبعض الدول مترددة في إدماج قواعد الاتفاقيات الدولية في البنية الدستورية أي عد هذه القواعد عنصرا في المركز الدستوري للحقوق والحريات الفردية ، هذا التوجه يمكن تفسيره بان الدستور يضمن بعض الحقوق الأساسية التي تعبر عن القيم التي يعترف بها المجتمع الوطني فيستمد القاضي من هذا الدستور وينص عليه ، بمعنى أن يطبقه قبل أي مصدر أو الرجوع إلى قاعدة دولية . كما يمكن أيضا للأفراد المدعين بانتهاك حقوقهم أن يثيروا أمام القاضي الدستوري بصورة حصرية النص الدستوري أكثر من الاتفاقية الدولية .

    وعادة ما يكون هناك بعض التردد لدى المحاكم الدستورية تجاه تدقيق احترام القواعد التشريعية للمبادئ المفروضة في الاتفاقيات الدولية.
    وفيما يتعلق بالدستور العراقي الدائم ، ورد في باب الحقوق والحريات نصوص دستورية بشأن العديد من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك الحريات العامة للأفراد إلا انه لم يرد في هذا الدستور أي نص يبين القيمة القانونية للاتفاقيات الدولية مقارنة بالتشريعات الوطنية أيهما مقدم على الآخر إذا ما وقع أي تناقض أو تعارض في التطبيق أيهما يغلّب النص الوطني أم الاتفاقية الدولية ، وهل تعد الاتفاقيات الدولية مصدرا من مصادر التشريع, في حين انه كان قد ورد في مسودة الدستور نص مادة بالرقم (44) يقرر أن لجميع الأفراد الحق في التمتع بكل الحقوق الواردة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي صادق عليها العراق والتي لا تتنافى مع مبادئ وأحكام هذا الدستور .

    هذه المادة تبيّن أن مرتبة الدستور (
    وهو تشريع وطني ) أعلى من مرتبة الاتفاقيات الدولية ( وهو تشريع دولي ) وكانت هناك اعتراضات على عدم جواز ذلك إذ أن التوجه الدولي يدعو إلى أن تكون المواثيق الدولية هي ذات مرتبة عليا بالنسبة للتشريعات الوطنية ، وان يتم تغليب المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية ويكون للقانون الدولي العلوية على التشريع الوطني .
    ولكن الذي حدث أن هذه المادة قد حذفت بأكملها من متن الدستور الذي طرح على الاستفتاء وتم إقراره ، وهو الآن نافذ على إقليم دولة العراق وبالتالي ترك هذا الحذف فراغا كبيرا فيما يتعلق بتحديد مرتبة الاتفاقيات الدولية من التشريعات الوطنية ، صحيح أن الاتفاقية الدولية بمجرد المصادقة عليها تصبح جزء من التشريع الوطني ولكن هذا يعني انه يجب تعديل التشريعات الوطنية النافذة بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية ، وإذا لم يتم ذلك فأن أي تعارض بين النص ألاتفاقي الدولي وبين النص الوطني يقف معه القاضي حائرا أيهما يغلب ، والصحيح أن ما يجب أن يغلب هو النص ألاتفاقي لأنه نص دولي التزمت به الدول بمحض إرادتها وعليها أن تنفذ التزاماتها التي يعد تعديل التشريعات الوطنية بما يوائم الاتفاقيات الدولية واحدا منها .
    كما انه كان يستوجب على المشرع الدستوري أن يقرر مادة تنص على مرتبة هذه الاتفاقيات من سلسلة مصادر التشريع لان كل قاعدة قانونية لديها مصادر عند تشريعها , هذه المصادر ترتب بحسب الأولوية بالعودة لها عند التشريع , ففي أية مرتبة تقع الاتفاقيات الدولية ؟ هذا الأمر أيضا غاية في الأهمية وهو غير موضّح في الدستور.
    لذلك ومن خلال كل ما استعرضناه تتضح الحاجة القانونية والسياسية والاجتماعية لوجود نص دستوري يقرر موقف التشريع الوطني من الاتفاقيات الدولية.
    إن غياب موقع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان من التشريعات الوطنية لاسيما النص الدستوري سيؤدي إلى عدم قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان وكذلك عدم قدرة القانونيين والمحاكم من الاعتداد بالالتزامات القانونية الدولية فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان سواء تشريعيا أم تطبيقيا أم تنفيذيا .

    ثالثا
    مركز حقوق المرأة دوليا ووطنيا

    وفيما يتعلق بمجال اهتمام البحث فأن واحد من المبادئ الأساسية من مجموع القانون الدولي لحقوق الإنسان هو الاعتراف بهذا الحقوق لكل فرد وكل كائن إنساني دون تمييز مبني على الجنسية أو العرق أو الجنس أو أي شكل آخر من أشكال التمييز.

    غير أن المجموعة الدولية اتجهت لطرح مقاربة تتضمن امتيازا عاما وخاصا لحماية الحقوق والحريات الأساسية فضلا عن أن النصوص العالمية تضمن الحقوق المتصلة بالشخص الإنساني إذ وضعت وثائق دولية خاصة مكلفة بتناول فئات الحقوق التي تتسم بأهمية خاصة للأفراد وتستلزم حماية إضافية وهذا يتعلق بصورة خاصة بالنساء ، إذ أن الهدف المتبع من المجموعة الدولية عند تحديد الاعتراف بالحقوق مراعاة الحالة المختلفة التي توجد بها بعض فئات الأفراد .

    هذه المقاربة الخاصة التي نجدها بصدد حقوق المرأة أصبحت ضرورية من حيث أن هذه الفئة قبل إن يُعَدﱡوا كائنات إنسانية فإنهم أفراد في موقع خاص في المجتمع لهم وظيفة تتصل بجنسهم. إن دراسة الحقوق الفئوية التي يكون موضوعها النساء تتطلب الكثير من التعمق ليس فقط لأنها فئة هشة ولكن لان وضعها يتطلب إجراءا خاصا من قبل المجموعة الدولية وهم موضع حقوق وحريات يجب تحديدها بدقة وموضع حماية بسبب وضعهم الضعيف تجاه الانتهاك الذي يمكن أن تتعرض له حقوقهم . إن غياب التوافق بين الدول وكذلك نقص الإرادة السياسية من طرفها يوضح بان انتهاكات حقوق النساء تتكرر في أنحاء العالم وليس هناك أي دولة مستثناة من هذه الظاهرة.

    الواقع أن تعدد الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق النساء ( اتفاقية عام 1902 حول تنازع القوانين الوطنية في موضوع الزواج والطلاق والوصاية على القاصرين ، اتفاقيتا عام 1904 و 1910 ضد بغاء النساء ، اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933 حول جنسية النساء المتزوجات ، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي اعتمد رسميا مبدأ المساواة بين الرجال والنساء وحظر أي تمييز قائم على الجنس ، اتفاقية عام 1952 بشأن الحقوق السياسية للمرأة ، اتفاقية عام 1957 بشأن جنسية المرأة المتزوجة واتفاقية عام 1958 بشأن التمييز في ميدان الاستخدام والمهنة ، واتفاقية عام 1960 بشأن مكافحة التمييز في ميدان التعليم ، وإعلان عام 1967 حول القضاء على التمييز ضد المرأة ، واتفاقية عام 1979 بشأن القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة والتي ألحقت ببروتوكول اختياري لعام 1999 أعطي فيه الحق بالشكوى لضحايا العنف من الأفراد ، ثم وفي عام 1993 وبعد أن قرر إن العنف ضد النساء يعد شكلا من أشكال التمييز اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان القضاء على العنف ضد المرأة ) نقول إن تعدد هذه الاتفاقيات لم يقترن بنفوذ حقيقي على الوضع الداخلي للنساء وهذه المفارقة توضح الامتداد المتراجع للتدويل ليس لان القواعد الدولية لم تدرج بصورة فعالة في القانون الوطني ولكن أيضا لان الدساتير الوطنية تشكل عقبة لتطور القانون الدولي من ميدان حقوق النساء- وقد أوضحنا سابقا موقف الدستور العراقي من الاتفاقيات الدولية -.
    إن المركز القانوني الدولي للفرد يبقى غير كامل طالما أن التطور الدولي لحقوق المرأة يصطدم باختلافات اجتماعية وأخلاقية ودينية بين الدول تتصل بموقع المرأة في المجتمع.
    هذا وتتضمن الاتفاقيات والإعلانات الخاصة بالمرأة عددا من الالتزامات المحددة المفروضة على الحكومات المنضمة لها من بينها شرط ضمان عدم انتهاك الأفراد الرسميين وغير الرسميين ( بمن فيهم الأزواج والشركاء والاباء ) وكذلك المصالح التجارية الخاصة ، لحقوق المرأة وضمان اتخاذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة بما فيها سن التشريعات واتخاذ التدابير المؤقتة الخاصة من اجل تمكين المرأة من التمتع بجميع حقوقها الإنسانية وحرياتها الأساسية . كما وتستهدف الاتفاقيات الثقافة والتقاليد باعتبارها قوى مؤثرة في تشكيل الأدوار النمطية للرجل والمرأة والعلاقات الأسرية وتشكل في العديد منها عنفا ضد المرأة. وإذ تركز اتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة على وجوب اتخاذ التدابير لمنع التمييز ضد المرأة من دون أن تشير صراحة إلى العنف ضد المرأة، ولكن لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة والمسؤولة عن مراقبة تنفيذ الاتفاقية من جانب الدول الأطراف قد أوضحت أن العنف القائم على أساس نوع الجنس هو شكل من أشكال التمييز يكبح قدرة المرأة على التمتع بحقوقها وحرياتها على أساس المساواة مع الرجل .

    وبعبارة أخرى فان العنف القائم على أساس نوع جنس المرأة يقع بوضوح ضمن حدود اتفاقية المرأة وواجبات الدول الأطراف بمقتضى هذه الاتفاقية تشمل منع مثل هذا العنف ومعاقبة مرتكبيه والتعويض عنه . وإحدى النتائج المترتبة على موقف اللجنة هذا هو انه لا يجوز للنساء فرادى أو كمجموعات التقدم بمقتضى البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية السيداو بتظلم إلى اللجنة بخصوص ما يرتكب من عنف ضدهن قائم على أساس نوع الجنس .
    لاسيما وان المادة (1) من اتفاقية السيداو تعرف التمييز ضد المرأة بأنه كل تفرقة أو اختلاف في المعاملة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة على قدم المساواة مع الرجل بالحقوق الإنسانية أو التأثير على تمتعها بالحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأية حقوق أخرى أو يكون من شأنه أن يمنع النساء من ممارسة الحقوق والحريات الأساسية بغض النظر عن الحالة الزوجية .
    أما العنف ضد المرأة فقد عرفه الإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة بأنه لي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة بدنية أو جنسية أو نفسية للمرأة بما في ذلك التهديد باحتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء وقع ذلك في الحياة العامة أم الخاصة.
    وبناء على ذلك فأن كل فعل ضد المرأة يتضمن بالضرورة تمييزا لان المرأة تستهدف بالعنف لكونها أنثى لا لكونها إنسان أو مواطنة أو غير ذلك.
    وأقسى أنواع العنف هو العنف الثقافي وأقسى أنواع العنف الثقافي ذلك الذي يضطلع به أشخاص يتكلمون باسم الرحمن الرحيم ليشيعوا دعوات القسوة وليكفروا دعاة المساواة والحرية أو ليبثوا في أحسن الأحوال ، دعوات الرحمة القاسية ويزداد هذا العنف عنفا عندما نجد رجع الصدى لهذه الدعوات القاسية لدى المدنيين ولدى من بيدهم صنع القرار السياسي منعكسة في المعاملة وفي القوانين وفي العنف واللا مساواة الموحشة ( مثال ذلك ما يجري ألان في العراق من عنف ممارس من جماعات مختلفة ضد النساء لإجبارهن على ارتداء زيّ معين ولمنعها من الخروج ومن العمل ومن ممارسة حقوقها وحرياتها دون أن يجد هذا الأمر صدى لدى صناع القرار لوضع حد لمثل هذا العنف والانتهاك ) .

    تعيش النساء في العراق في خوف من العنف مع اشتداد حدة النزاع وتصاعد الاضطراب الأمني. وأدى إلقاء حبل القانون على غاربه بعد غزو العراق في مارس / آذار 2003 وحتى اليوم ، وازدياد عمليات القتل والخطف والاغتصاب إلى تقييد حرية النساء في التنقل وقدرتهن على الذهاب إلى العمل والى مؤسسات التعليم . وتواجه النساء قوانين وممارسات قائمة على التمييز تحرمهن من العدالة على قدم المساواة مع الرجال أو من الحماية من العنف في العائلة أو المجتمع.

    ويهدد رد الفعل العنيف من جانب القوى الاجتماعية والسياسية المحافظة بخنق محاولات النساء نيل حرياتهن وحقوقهن، وقد اجبر انعدام الأمن وسيطرة الجماعات المسلحة، نساء عديدات على الانسحاب من الحياة العامة ويشكل عقبة كأداة في وجه تعزيز حقوق المرأة.

    ومن جملة التوصيات التي تنادي بها المنظمات الوطنية والدولية المناصرة لحقوق النساء ، التأكيد على تضمين الدستور وجميع التشريعات العراقية حظرا لجميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة واتخاذ تدابير فعالة لحماية النساء من العنف ودعمها ، إذ يترتب على الدول التزام بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان بتجسد باحترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها .
    وينبغي عليها التأكد من عدم ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي الموظفين العموميين أو غيرهم ، وعليها حماية الأشخاص من انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الآخرون ، ومن ضمنهم الأفراد الذين يعيشون ضمن مجتمعاتهم وعائلاتهم وعليها اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية وغيرها من التدابير التي تسمح بالوفاء بحقوق الإنسان وممارستها وبشكل خاص ينبغي على الدول أن تلغي التشريعات والممارسات القائمة على التمييز والتي تعرض النساء لخطر العنف وان تتخذ خطوات لحماية النساء من التمييز والعنف .

    وكان المشرع العراقي موفقا عندما ضمن الدستور نصا يمنع العنف ( من دون أن يحدد هوية أو جنس من يمنع العنف ضده ) وذلك بموجب المادة (29- 4) منه والتي تقرر(تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع).
    ولكن مع ذلك لم يكن موفقا من جانب آخر في نطاق ما تشمله هذه المادة… إذ تتعرض المرأة إلى أشكال متعددة من العنف منها ما هو مادي ومنها ما هو نفسي , كما وتختلف وتتعدد الأماكن التي تتعرض فيها لهذا العنف, منها ما هو في المنزل ومنها ما هو في المدرسة ومنها ما هو في مكان العمل ومنها ما هو في الشارع ومنها ما هو في ساحات الحروب ومنها ما هو في المؤسسات ومنها ما هو في المعتقلات ومنها……… وكان الأجدر بالمشرع أن لا يكتفي بهذا التحديد المكاني بل يطلق تحديد المكان ويجعل نص المادة بالشكل الآتي ( تحظر أشكال العنف والتعسف كافة في إي مكان من الدولة وضد أي مواطن عراقي بغض النظر عن جنسه أو دينه أو قوميته أو مذهبه أو أي شكل آخر من أشكال التمييز).

    في الحقيقة أن العراق كان قد انضم إلى العديد من اتفاقيات الدولية منها العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب قانون المصادقة رقم 193 لسنة 1970.
    إن الدساتير عادة يجب أن تحتوي على نص يتعلق بإيضاح أن التشريعات النافذة قبل صدور الدستور تبقى سارية المفعول ويجوز إلغاء تلك التشريعات السابقة أو تعديلها بالطريقة المبينة في الدستور (هذا ما بينه دستور 1958 و1970 كذلك الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 ).
    كما انضم العراق إلى اتفاقية جنيف لسنة 1949 بقانون المصادقة رقم 24 لسنة 1955 وقد قضت هذه الاتفاقية في المادة (64) من الاتفاقية الرابعة بشان حماية المدنيين أن التشريعات الخاصة بالأراضي المحتلة تبقى نافذة ما لم تلغها دولة الاحتلال أو تعطلها إذا كان فيها ما يهدد أمنها أو يمثل عقبة في تطبيق الاتفاقية , كما نصت المادة (67) من نفس الاتفاقية على أن (لا تطبق المحاكم سوى أحكام القوانين التي كان ساريا تطبيقها قبل وقوع الذنب والتي تكون العقوبة على قدر الذنب …)
    كما أن دستور 1970 الذي كان ساري النفاذ قبل صدور قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية كان ينص على أن تبقى جميع القوانين والقرارات قبل صدور هذا الدستور سارية المفعول ولا يجوز تعديلها أو إلغاؤها إلا بالطريقة المبينة في هذا الدستور . كما أن قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 قد قضى في المادة (26) منه أن ( أ – ستبقى القوانين النافذة في العراق في 30 حزيران 2004 سارية المفعول إلا إذا نص هذا القانون على خلاف ذلك والى أن تقوم الحكومة العراقية الانتقالية بالغاؤها أو تعديلها وفقا لهذا القانون).
    كما نصت المادة (130) من الدستور العراقي الجديد على أن ( تبقى التشريعات النافذة معمولا بها ما لم تلغ أو تعدل وفقا لأحكام الدستور) كما قرر في المادة (2-أولا –ج) منه بأنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور , وهذا يعني أن سن أي تشريع يقرر سحب انضمام دولة العراق من المواثيق الدولية سيعد قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية لان الانضمام للاتفاقيات الدولية يعد ضمانة للحقوق والحريات .
    يتبين من ذلك أن الدساتير عند تغييرها أو تعديلها يجب أن تذكر فيها آلية أن القوانين الصادرة بموجب النظام السابق تبقى سارية المفعول إلى حين تغييرها بموجب قوانين جديدة مشرعة بموجب ذلك الدستور وطالما لا يصدر إلغاء أو تغيير أو تعديل فأن التشريعات تبقى سارية .
    هذا وقد ذكر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483/2003 في الفقرة الرابعة العاملة منه :5- يطلب من جميع المعنيين أن يتقيدوا تقيدا تاما بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي بما في ذلك بصفة خاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي لعام 1907 .
    وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصادق على اتفاقية جنيف إلا أن العراق قد صادق عليها وهذا يجعلها ملزمة بإتباع القوانين والأعراف المتبعة في حالة الاحتلال وفق المادة (2) من الاتفاقية .

    كذلك نصت اللائحة لتنظيمية في الجزء الثاني على : تبقى القوانين التي كانت سارية في العراق اعتبارا من تاريخ 16/ نيسان /2003 سارية المفعول وقابلة للتطبيق بعد هذا التاريخ إلا إذا قررت السلطة الائتلافية لمؤقتة تعليقها أو استبدالها بغيرها أو إذا تم إلغاءها وإقرار تشريعات أخرى تحل محلها تصدرها المؤسسات الديمقراطية في العراق , كما تبقى تلك القوانين سارية المفعول وقابلة للتطبيق طالما أنها لا تحول دون ممارسة السلطة الائتلافية المؤقتة لحقوقها والوفاء بالتزاماتها أو طالما أنها لا تتعارض مع هذه اللائحة التنظيمية أو أية لائحة تنظيمية أخرى تصدر عن السلطة الائتلافية المؤقتة ….”
    ويظهر من كل ذلك أن التشريعات السابقة ومن ضمنها قوانين المصادقة على الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان تبقى نافذة ولا يمكن التغاضي عنها.



    منتدي العيادة القانونية،،،،،،
    التعديل الأخير تم بواسطة Mostafa Qotb ; 03-11-2013 الساعة 06:07 PM

 

 

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •